بابكر بدري - الحلقة السادسة والأخيرة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

بابكر بدري - الحلقة السادسة والأخيرة

مُساهمة من طرف بدرالدين حسن علي في الجمعة 05 يونيو 2015, 06:32





كي لا ننسى
شخصيات تاريخية
بابكر بدري شمس السودان التي لا تغيب " 6 "
بقلم :بدرالدين حسن علي
الكاتب الكبير مجدي الجزولي كتب مقالة هامة جدا عن بابكر بدري في " الحوار المتمدن " تصلح أن تكون ختام هذه الحلقات .
يقول مجدي :
نستقبل العام القادم العيد المئوي لمؤسسة سودانية هي عندي إبداع سوداني قاس في توطين الحداثة وإخراجها من التراب المحلي، والمقصود مئوية مدارس الأحفاد – جامعة الأحفاد. هدف هذه الكتابة التنبيه إلى هذه المناسبة العظيمة، وحفز الرأي العام للتبصر في حصاد المدنية السودانية الحديثة كما تتجلى عياناً في اجتهادات ونضالات مضنية لجيل سباق من السودانيات والسودانيين ما الأحفاد وتراثها إلا أحد معالمها، خاصة وبلادنا تخبر تراجعاً شديد الأثر عن سابقات لها في وطنية العمل الجماعي والعقلانية والتقدم الاجتماعي. تبرز هذه الحوادث واقعاً في تشظي حياتنا الاجتماعية وانفراط عقود تضامننا وكساد كسبنا السياسي في ظل وصاية دولية لها اليد الطولى في تعيين أولوياتنا وتحديد مسارنا حرباً وسلماً، تحريراً وتعميراً. لعلنا نتعلم درساً من الذي سبق أو نعي حكمة.

لما كان جذر الحداثة الأعظم مكنون في العقلانية أي الانقطاع عن المعهود من قيم وتقاليد بالية تجد تبريراتها في تصورات لا عقلانية عن العالم واستبدالها بالعقل مقياساً وحكماً فيجوز اعتبار أنها – الحداثة - ليست تطور تاريخي خاص بالمركز الأوروبي فقط، بل أن في كل ثقافة نزوع حداثي يقوى ويضعف بحسب حادثات تاريخها المعين. يجب التمييز عند هذا الحد بين الحداثة مقرونة بالعقلانية وبين "التحديث" كنمط تاريخي وخطاب ثقافي آيديولوجي خرج من الرحم الأوروبي غازياً العالم كصيغة مفردة للحداثة: تراكم الرأسمالي، حركة الموارد، نمو قوى الإنتاج وزيادة إنتاجية العمل، جبر سياسي مركزي، بروز هوية قومية، صيغة الحياة الحضرية الأوروبية، التعليم النظامي الأوروبي..إلخ. الواقع أن هذا الإخراج للحداثة شاع في العالمين بما هو مشروع امبريالي تخلق به البرجوازية الأوروبية عالماً على صورتها وليس لغلبة له عقلانية على ما عداه من امكانات التطور الخاص بكل ثقافة، أو ملاءمة لكل التواريخ البشرية. وقد جاء تأكيده النهائي كصيغة كونية للتقدم على يد نظريات التنمية الرأسمالية خلال حقبة ما بعد الاستعمار وحتى اليوم في أتون "العولمة".

نستدعي هذه المقدمة عند الاعتبار في صدمتنا والتحديث الاستعماري أول القرن الماضي، الذي قدم لنا نفسه في حوض شاسع من الدم واللحم البشري المحروق يجمع جثث مقاتلينا على سفوح كرري. إن توسل الطريق للخروج من أزمتنا الحالية موصول لا محالة بهذه التجربة التاريخية المريرة، حيث انكسر عالمنا الوطني الذي نعرف بخيره وشره وتناثر قطعاً كصفحة زجاج اصطدمت وحائط من الأسمنت الصلب، ومعه حمولات رمزية وثقافية تاريخية هي ما عرف شعبنا حينها من كينونة وقوام. أهمية الشيخ الجليل بابكر بدري أنه لم يكن محض معاصر لهذا التحول وما سبقه من انكفاء ثورة التحرير المهدية على نفسها لتنحط من مقام "في شان الله" إلى العصبية والسلطة والجاه، لكنه أضاف إلى التأريخ الصادق النادر استطاعته تلمس الدرب إلى المنعة الوطينة بادراكه أن في جهلنا وتخلفنا العلة الأصيلة لهزيمتنا. تسجيلاً لشدة وقع الهزيمة ذكر الشيخ الجليل في تاريخ حياته أنه "عندما ظهر الشق الكبير في القبة بهت الناس وانقطع صوتهم كما انقطع صهيل الخيل، ولم أسمع تكبيرة الإحرام للمغرب ولا أدري أغيري سمعها أم لا" (بابكر بدري، "تاريخ حياتي"، الجزء الأول، تحقيق د. بابكر علي بدري، ص 309). الشيخ الجليل ما تنكر لوطنيته الفعالة فكما سبق إلى الجهاد ضد "الترك" سبق أيضاً إلى تجديد المشروع الوطني لكن على أصل من العقلانية وأركان من الحكمة استقاها كفاحاًً من خبرة احباط في دولة الخليفة التي ساهم في نصرها وشهد انكسارها، واعتبار في أسباب التفوق الاستعماري العقلانية. بينما انقطع غيره عن العالم ومصارعته ردة إلى الخلف، شق الشيخ الجليل حائط التاريخ متقدماً والدولة الاستعمارية لما يتوطد حكمها بعد. في العام 1903 أسس معلم السودانيات والسودانيين مدرسة أولية "حديثة" للبنات في رفاعة، ثم صفع تخلفنا وكذب التقدم الاستعماري في الوجه في العام الذي يليه (1904) عندما بادر الإدارة البريطانية بنيته إنشاء مدرسة أولية للبنات في رفاعة فرفضت طلبه. أعاد الشيخ الجليل الكرة في العام التالي (1905) ومرة أخرى تأخر التحديث الاستعماري عن نازعات الحداثة والتقدم السودانية كما ارتسمت في ذهن الشيخ صاحب الجبة. حربة المعلم أصابت هدفاً في العام 1906 حيث ورد الآتي في تقرير السير جيمس كري مدير مصلحة المعارف في الإدارة البريطانية حينها: "أفضل شخصياً ألا تقوم الحكومة بهذه المهمة (تعليم البنات) في الوقت الحالي. لكن إذا كان هذا الأمر مرغوباً فيه فمن الممكن من باب التجربة البداية في رفاعة، حيث يوجد كُتّاب بإدارة رجل من الأهالي كفء ومثير للاهتمام وهو جد متحمس أن يسمح له بهذه التجربة" (ضمن لي بورشينال، "جامعة الأحفاد للبنات: تجربة تعليمية سودانية"، مجلة الأحفاد، 12/01/04). ثمرة جهاد الشيخ أن سمح له كري بتعليم البنات لكن "في بيته الخاص وبإسمه الخاص" (حسن نجيلة، "ملامح من المجتمع السوداني"، دار عزة، الخرطوم، 2005، هامش ص 94). هكذا أنشأ الشيخ الجليل أول مدرسة حديثة لتعليم البنات في السودان عام 1907 في رفاعة طالباتها 17، منهم من بناته 9 ومن أسر مجاورة أو ذات رحم 8 (لي بورشينال). ما لحق التحديث الاستعماري بحداثة الشيخ الجليل إلا في العام 1920 عندما استقدمت الإدارة من مصر موظفة بريطانية للإشراف على إعداد تعليم البنات في السودان (حسن نجيلة، ص 87)، ثم تبع ذلك افتتاح أول مدرسة حكومية لتعليم البنات في أم درمان عام 1921 ملحقة بكلية تدريب المعلمات (محمد عمر بشير، "تطور التعليم في السودان 1898 – 1956"، دار الجيل، بيروت، 1983، ص 101). بالطبع شتان بين تعليم استعماري "ممحوق" و"مسيخ" وبين تعليم وطني الطراز حداثي الوجهة. الأول عين أهدافه السير جيمس كري أول مدير للمعارف في الآتي: خلق طبقة من الصناع المهرة؛ نشر نوع من التعليم بين الناس بالقدر الذي يساعدهم على معرفة القواعد الأولية لجهاز الدولة وخاصة عدالة وحيدة القضاء (!)؛ تدريب طبقة من أبناء البلاد لتشغل الوظائف الحكومية الصغرى في جهاز الدولة (محمد عمر بشير، ص 69). والثاني كان الشيخ الجليل يرى فيه باباً لتمكين النساء من القيام بدور ينتظرهن في قياد التغيير الاجتماعي الضروري، حيث كان رأيه أن النساء المتعلمات هن شرط تحقيق تحسن واجب في التغذية والرعاية الصحية وتنشئة الأطفال، وهن ضرورة لازمة لجهة تنمية المجتمع، وهن من يقمن بعبء تحضير السودانيات والسودانيين الشابات والشباب للحياة الجديدة في المجتمع الحضري قيد التشكل (لي بورشينال). "الفرقة" التي انفرد بسدها الشيخ الجليل كانت حتى مبادرته حكراً للإرساليات حيث قام آباء فيرونا الرومان الكاثوليك بتأسيس أول مدرستين لتعليم البنات عام 1900: مدرسة الراهبات بالخرطوم (سانت آن)، ومدرسة الراهبات بأم درمان (سانت جوزيف). في العام 1906 أنشئت مدرسة إرسالية للبنات ببورتسودان، تلتها أخريات: أم درمان (1905)، عطبرة (1908)، ود مدني (1912)، الخرطوم (1909)، حلفا (1910) أغلقت سريعاً لعدم تشجيع الأهالي، عطبرة (1912). المدراس الإرسالية للبنات كانت تقوم بتدريس علوم التدبير المنزلي والصحة العامة (محمد عمر بشير، ص 108 – 109). عدم رغبة الإدارة البريطانية في تولي مهمة تعليم البنات "حكومياً" لها علة مباشرة في معارضة جمعية الكنائس لهذا الإتجاه، على أساس أن افتتاح مدارس حكومية للبنات سيجعل عمل الإرساليات في هذا المضمار مكرراً ما قد يؤدي إلى انسحاب السودانيات منها (محمد عمر بشير، ص 100). ولها تفسير أوسع في كامل منطق الدولة الاستعمارية حيث لا جدوى منظورة من تعليم البنات بحسب أهداف السياسة التعليمية المثبتة أعلاه، أما التقدم الاجتماعي وما إلى ذلك فليس بأي حال من الأحوال شأناً يخص الإدارة الاستعمارية بصورة مؤسسية. الشد والجذب بين الإدارة الاستعمارية وجمعية الكنائس انتهى إلى تسوية مفادها تقرير رسوم دراسية في مدراس البنات الحكومية لمنع تسرب البنات السودانيات من مدراس الإرساليات إليها.

كفانا الشيخ الجليل المن والأذى، من جهة الإدارة الاستعمارية ومن جهة الإرساليات. معركة أخرى أهم تنتظر الشيخ كانت بينه وبني شعبه لإثبات عقلانية وتقدم وجدوى نظره وفعله في وجه معارضة ضارية شهر فيها العديدون سلاح الدين في وجه هذا الأنصاري الصالح مزايدين. وجه الميزة في ممارسة الحداثة على طريقة الشيخ الجليل أنه جعل رؤاه فعلاً في داره وأهل بيته وذريته قبل الآخرين، فكان عمله تحقيقاً لقوله لا فصام بينهما. تطور مشروع الشيخ الجليل وتنامى ليصبح مؤسسة يقوم عليها رائدها حتى وفاته في 4 يوليو 1954: روضة الأطفال برفاعة (1930)، روضة وكُتاب بأم درمان مختلطة للبنين والبنات (1932)، مدرسة متوسطة للبنين بأم درمان (1933)، مدرسة ثانوية للبنين (1943)، مدرسة متوسطة للبنات (1951)، مدرسة ثانوية للبنات (1955) ("قدر جيل"، مذكرات العميد يوسف بدري 1912 – 1995، ص 65 – 66). نمت الأحفاد وازدهرت أهلية تقوم على أكتاف آل بدري وبني شعبها زاهدة في ريع الدولة وسندها، وربما كان هذا أحد أسباب استمرارها وتطورها بعيداً عن شطط أفندية الدولة وتقلباتهم، حتى استوى سوقها كلية جامعية للبنات في العام 1966 ثم جامعة كاملة الكفاءة والأهلية في العام 1995. يصعب في الحقيقة أن نجد في تاريخنا الحديث على قصره مؤسسة تطورت بهذه الوتيرة أو تراثاً في العمل حافظ على استمرار فعال كهذا. وربما كان السبب أنها حافظت على وضعها وليدة ورفيقة لتطور المدنية السودانية وفي كنف الأهلية السودانية، ليست زرعاً منبتاً، وإنما بجهد ومساهمة أجيال من السودانيات والسودانيين تمويلاً وعملاً. ولقد داومت على هذا التراث الوطني منذ عهد الاستعمار عندما كانت ملجأ رواد التقدم السودانيين فكان من بين معلميها نخبة من مناضلي اليسار السوداني الأوائل العائدين من القاهرة: التجاني الطيب، عبد الرحيم الأمين، عوض عبد الرازق. كما استقبلت المفصولين من مدارس الاستعمار الحكومية. وقد ذكر العميد يوسف بدري أن الشيخ الجليل قال له ذات مرة معلقاً على تردده في استيعاب المفصولين: "يا عوير نحنا حنوافق الانجليز على ضياع مستقبل أولادنا" (مذكرات العميد يوسف بدري، ص 72). وهكذا هي اليوم أيضاً تستوعب مفصولي الصالح العام والمغضوب عليهم بين جوانحها. كما تلمست الأحفاد في سابق العهد مكامن عللنا الوطنية كذلك هي اليوم فالجامعة ما زالت على فلسفة الشيخ الجليل المجيدة حفز طالباتها وتدريبهن لقياد التغيير الاجتماعي من مواقعهن في العمل أو في مجتعاتهن المحلية، ومن ذلك منح الأحفاد السنوية للطالبات من مناطق السودان المهمشة جنوباً وشرقاً وغرباً وشمالاً. ومن ذلك أيضاً الزام جميع الطالبات المشاركة في نشاطات التنمية الريفية، وتشجيع النشاط البحثي بالزام كل طالبة انجاز بحث مستقل خاص بها في آخر عام دراسي.

والحق محفوظ لأهله واجب علينا جميعاً سودانيات وسودانيين شكر آل بدري فضلهم فهم حقاً كما دعاء الشيخ الجليل الغابة والناس حطاب. لا يجوز أن نترك الأحفاد لمئويتها وحيدة إلا من الأقارب والأصدقاء، بل على المجتمع المدني السوداني بمختلف جهاته قياد ةعمل قومي احتفاءاً بشيخنا الجليل وبأحفاده جامعة ومدارس





الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى